اليومية رقم ثمانية؛
اليوم، وتحديداً اليوم، أرغب في الاكتفاء بالنظر إلى السماء، إلى الأفق الذي يعانق البحر والمطلق. عاصفة قادمة في ميعادها اليومي على ما يبدو، ولعل والدي كان محقاً، السياح بتصرفاتهم الهمجية، وشربهم المتواصل، وقهقهتهم طوال الوقت، جلبوا الشؤم لهذه المدينة. ولكن مصائب قوم عند قوم فوائد، فلطالما ناسبني هذا النوع من الطقس، ووددت لو بقي الشتاء حالةً سنوية لا فصلاً ينتهي.
على العموم، أطلق بصري ناحية البحر. هناك أرى شبح المدينة يتصدى لأحلامي، وميض النور يتراقص بعيداً، تلك المدينة التي مهما حاولت أن أكون جزءاً منها، لن أكون جزءاً منها أبداً. تسخر من قدري، تلعب على أعصابي، محبةٌ للغرباء الطائشين، ناقمةٌ على أهلها. مدينة الليلة الواحدة، لا حياة فيها بعد فصل محدد، فقط أمواج غاضبة تصفع أطرافها، وسماء عقيمة لا تدرك مصابها، ووجوه أقدم العمر عليها. تلك المدينة التي لا نغادرها أحياءً، تستولي علينا، ومهما هربنا فإننا دائماً ينتهي بنا الأمر للرجوع إليها.
يدق جرس الباب. أخيراً، قد وصل.
أقدم على فتحه واستقبال السيد مون. آه نعم، السيد مون، محاوري النفسي، وبعد سنة من الآن سيكون رفيق أطروحتي في الأكاديميا ولكنه لا يعلم هذا الآن ولن يعلم في وقت قريب، هذا إذا مشت الخطة في اختياري لبرنامج علم النفس الإكلينيكي. فقد وقف بالي بين الفلسفة وعلم النفس، وصدقاً أحب الفلسفة، لكن أن أقضي بقية حياتي في دراسة أفكار الآخرين مُرهِق نفسياً، بل حتى فلسفتي ترهقني، فكيف سيكون الحال بالعيش وسط مئة عقل؟ لذا اختياري لا بد أن يكون علم النفس، لأني دائماً وجدت راحتي في الحوار النفسي الذي نتبادله أنا والسيد مون الذي يكبرني بست سنوات، كل أسبوعين مرتين أو ثلاثاً، في ميعاد رسمي لا أتأخر عنه ولا هو. ودائماً يحلّ في مكتب والدي الذي أظن أنه فيما بعد سيصبح مكتبي للاستشارات النفسية، بل سأرغب في تسميته مكتب الحوار النفسي، هذا لأني لم أكن يوماً من محبي المصطلحات الجافة الباردة، خاصة فيما يخص النفس البشرية التي يجب أن يتوفر فيها شرط الدفء والحميمية حتى تنفتح وتُعلن عن نفسها.
أجلس مع السيد مون وأكواب الشاي تناظرنا في المقابل. ينظر إليّ من وراء نظارتيه وأنظر إليه في المقابل وأبتسم. يحاول أن يُظهر لي الوجه البارد، ذاك الوجه الذي لطالما استعصيت أن يكون وجه الحَكَم، وجه شخص يحاول تفكيك من أمامه وتجريده من إنسانيته حتى يصبح أشبه بعينة سيكولوجية، باحثاً عن إشارات طالعها في قاموس التحليل النفسي لفرويد. غريب عالمنا، الجميع يرى الجميع عينات. فالطبيب يرانا عينة فيزيولوجية تحتمل الأخطاء والعثرات المرضية، والمحاور النفسي، خاصة السيد مون الذي أعلم يقيناً أنه ليس محاوراً نفسياً وإنما شخص ينتحل شخصية المحاور، باحثٌ في الحقيقة عن شيء آخر في نفوس الآخرين حتى يفهم نفسه.
أقطع وابل الصمت: “أخبرني، هل تطالع كافة الناس بهذه النظرة؟”
يردّ بميل الرأس: “أي نظرة تقصد؟”
أجيبه: “هذه النظرة التي توحي بشيء من السخرية، استعلاء، ووهم إدراك ساذج، محاولة شديدة لتوحي للمقابل أنك تعرف ما تفعل، ولكنك في الحقيقة غارق في صدى فكرك، حوار ربما مع الأيغو، أو محاولة صوتك الداخلي إيجاد كلمات في قاموسك، قاموس الدراسات الأكاديمية.”
يتبسم السيد مون ويهز رأسه. أدرك أنه يناورني، يناورني حتى أظن أني ممسك بخيط اللعبة، ويعلم يقيناً أني سأدير الجلسة عليه هو، كما يحدث كل مرة. وفي كل مرة أنجح بذلك، ولربما هذا ما يبقيني عالقاً هنا فوق، في الشقة رقم أربعة وعشرين، في أعلى طابق، حيث لا يمسّني سوى الهواء ويبقى البشر هناك في الأسفل، بعيدين عني سنوات ضوئية لا أستطيع من خلالها فهم منطقهم أو إدراك ماهية وجودهم الصغير. ومهما تنازلت ومهما حاولت، أرجع فارغ الفؤاد، مُرهَق العقل، مُثقَل بأسئلة بحجم الكون. وأغلق نافذتي وألقي بنفسي فوق الأريكة، وأسمح لأيٍّ كان مالك الوجود أن يحملني، يأخذني، يسحبني لوجود آخر أنتمي إليه، عليٍّ ما أرغب في الاستكانة إليه.
يردّ السيد مون بعد أن أخذ رشفة من كوبه: “يُقال أن الأذكياء أذكياء لأنهم يحاولون الهرب من شيء ما. وكلما ازداد الإنسان ملاحظةً ارتفع ذكاؤه، وهذا يعني أن حجم ما يركض منه أكبر. وعادةً ما يمضي الأذكياء حياتهم في الركض، في البحث عن المعادلة التالية لحلها، يندفعون من فترات الطفولة محمَّلين بالخوف إلى الانغماس في عالم الدراسة فينجحون، ثم عندما تنتهي الدراسة يدخلون عالم الفكر بعد صدمة ما أودت بهم للطواف في ملكات العقول، بحثاً عن معادلة البشرية، الوجود ربما، أو المعنى الأسمى من الحياة والموت، كنوع من العزاء.”
يحمل كوب الشاي ويتأمله، ثم يلتفت برأسه لينظر في الرفوف المزدحمة بالكتب، ثم المكتب بأكمله والجدران مقشّرة الطلاء الرمادي، ليعود مرة أخرى وينظر في فنجان الشاي الذي بيده، ليستقر نظره في عينيّ ويبتسم ابتسامته الدائمة التي لا أدري إن كانت سخرية أم احتواءً وتفهماً، ويكمل: “لطالما أجاد العالم لعب لعبة سيد البطاقات. تعلم سيد البطاقات اللعب في لعبة الطاولة، بهذا حين يظن الذكي أنه قد فهم اللعبة تُسحب منه البطاقات وتُعاد خلطها فتنتج شبكة جديدة، طاولة مغايرة وشخصيات تأتي لتشارك اللعبة. لكن الذكي هذا يستغرق في محاولة فهم الفهم، تفسير اللعبة والبطاقات، واستخلاص معنى الأرضية الخضراء ولِمَ الطاولة خشبية، ريثما الشخصيات التي تأتي وتذهب مراراً وتكراراً تظهر له كظلال فقط، أصوات في الخلفية، همسات وضحكات. لكنه يبقى متشبثاً في مكانه لا يغادر، وتبقى اللعبة قائمة حتى ينتهي وقته هو، لأن الذكي لا يدرك أن اللعبة متأصلة فيه، ولا يدرك أن عقله هو سيد البطاقات، ولطالما كان هو محرّك اللعبة ومولّدها في آنٍ واحد. لكنه أغبى من أن يتفهّم ذلك. أتعلم أن أغبى الأغبياء هم من يظنون أنه يستحيل خداعهم وإدارتهم؟”
بعد نظرة متأملة في يديّ، أقول: “هل تظن فعلاً أن الواقع بهذه البساطة؟ ولربما هي مجرد فلسفة أخرى، منظور آخر يهرب إليه الإنسان بافتراءاته. ففي الحقيقة، طالما نحن هنا لن نفهم أبداً، إنها مأساة، أن تكون في مكان ما وأنت تجهل الوجهة. ولا أقصد هنا الإرشادات التي اتفق عليها المجتمع أياً كان منطقه، إلا أني أؤمن جداً أنه كما أن الموت يحدث بشكل فردي فيجب أن تكون الحياة ذات طابع فردي أيضاً، بذلك المعنى، المنظور، المعتقد. على الإنسان أن يخلق معناه من تجاربه لا أن يتسلّمه جاهزاً، وإلا فالتوريث كيفما كان يؤدي لانتحار جماعي. تخيّل لو اعتنق الجميع معنىً واحداً، هل سيقضي ذلك على قضية الشر؟ يتخيّل البشر هذا، يُخيَّل لهم أنه باعتناق دين واحد سيظهر الشيطان في قلب السماء وتشير إليه البشرية بأصابعها وتقذفه بالحجارة رجماً ويحترق في الأخير ويحيا الجميع في وئام وتوحيد وتوافق في المعنى، يوتوبيا وجودية نعيمية خالصة حين يُقضى على الشر في الاختلاف والتوافق هو الخير المطلق. هذه الفكرة التي تحرك الوعي الجمعي غير واقعية ولا أساس لها، وتنتهي دائماً بولادة شيطان جديد، بخبل آخر، وانقلاب آخر، لأن الجماعة ليست خيراً مطلقاً ولا دليلاً على الصلاح، والتفرد ليس شراً مطلقاً وليس دليلاً على الصلاح أيضاً. وهكذا التناقضات تكمل الصورة، ولا أحد يتم بالآخر.”
يجيبني السيد مون: “ما تقوله حقيقة ولن أجادلك فيه. إنما المرء هو سيد اختياراته، ومحاولة الجدال لإقناع الآخر بالعكس هو دسّ خفي لخيانة الذات في سبيل معنى صاغه آخر. ولعل المعنى بالمعنى لا يتقابل، لذا النفوس أسرار، لذواتنا حياتها السرية بعيداً عنا، عن العالم، تحيا في خفاء تحيك الوجود من الخلف فيظهر لنا في سلسلة أحداث تُصنع أمام ناظرينا لنستمد منها المعنى. ولكن في الأساس المعنى يأتي من الداخل، يسبق الحياة نفسها، يسبق رفع اليد وحركة الإصبع، فذلك أن الحدث قد حدث ليؤكد الداخل. كأن للمرء حياتين في نفس اللحظة: حياة أولى ذاتية روحية إذا أحببت أن تصفها بالمعنى الروحي، أو نفسية إذا كنت تميل للسيكولوجية. فالوضع أقرب للشبه بكواليس المسرح، يتم تجهيز كل شيء، وعندما تصعد الشخصية للمسرح هذا يمثّل الحدث ذاته الذي غالباً أثناء القيام به نكون مراقبين لا فاعلين، لأن الفعل يحدث ونحن نراقبه يحدث. والجمهور يمثّل المرايا العاكسة، إذا صفّق أكّدنا المعنى الأولي الذي يمثّل السيناريو في الكواليس، وإذا حزن الجمهور أيضاً يُعتبر مؤكِّداً للسيناريو. بهذا العالم الخارجي يعتبر فقط مؤكِّداً للتجليات، فالعالم أصمّ حيادي لا يقدم المعنى، بل الذات تصنعه في لُدُنها بعيداً عن النفس وعن الحياة ذاتها، يُصاغ من الفكر قبل أن يصبح فكراً، تتعامل مع المجال الذي يسبق المجال. هناك فوق وأعلاه، لذا لا تظن أن للجميع ترفاً في استخلاص هذه التجربة. فبعض البشر مهمتهم فردية بحتة، وأرواح أخرى قدمت للحياة فضاعت عنها السبل فيستلزم أن تعتمد على العالم الخارجي الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع.”
أبتسم للسيد مون وأصمت طويلاً هذه المرة، متأملاً كلماته. لطالما نجح في فهمي بشكل ما، وكنت دائماً على استعداد لإنزال جدراني والسماح له بالنظر في ملكات ذاتي. ولربما هو بالفعل كما قال لي ذات مرة، أنه مرتبط بالمجال فوق المجال، وأن له قدرة خاصة تسمح له بأن يكون، بالتعريف العامي، خارقاً للعادي.
أحمل كوب الشاي وألاحظ أنه قارب الخلاص، معلناً أن الجلسة قد انتهت لليوم، معلناً خلاصي منه لهذا الأسبوع.







رهيب 🤍🤍🤍