مقتطف من اليوميات :
”…تتردد في الغرفة أغنية تحمل إحساس تقلبات نهايات شهر مارس وبدايات أبريل. مارس شهر يوهمنا أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأبريل يلقي بنا إلى تقلبات عنيفة. يحمل لنا ركامًا من الماضي، يضعنا أمام ذواتنا قبل خمس سنوات، لندرك حينها أننا تقدمنا. حملتنا الأيام على غرار ما تمسكنا به في ما اعتقدناه يومًا أنه نحن، لنكتشف في صبيحة يوم أبريلي أننا قد تغيرنا، فما عادت تنهيدتنا نفسها تلك التي خبأت في صدورنا، وأن لهيب الأيام قد انطفأ، بل ألقينا بالشمعة في منتصف المسير لأننا لم نعد نأبه بما سنكون عليه بعدها. الأمر محرر للذات: فكرة التخلي، المغادرة، ترك كل شيء، إسكات العقل، والركض في لا اتجاه محدد. فقط ركضنا نحو مسارات لا أشخاص فيها، لا بيت ينتظرنا، لا أحد يلفظ اسمنا، وجوه غريبة عنا في كل مكان، لا شيء يمسكنا، بما فيه نحن ذواتنا لحالنا...فالشمعة التي ورثناها قد ذاب نصفها في الحنين، أما القادم فلا يستدعي شموعًا لأن نوره لم يكن من قبل فينا. ضوءه لم يلمس أنظارنا، لم يعبث بذكرياتنا ولم يحدد طريقنا بعد. فلا افتراض عن ذات قادمة، ولا سبق للقدر القادم، لأن كل ما مررنا به إلى يومنا هذا هو قدر اعتقدناه، صدقناه، آمنا به وطلبنا تجليه ولو جهلاً، خوفًا، غضبًا. إذن اليوم، ونهايات مارس ومطلع أبريل، سنكذب، سنكذب على أنفسنا كما فعلنا يومًا فأصبح مصيرًا محتومًا. سنكذب حول ماهيتنا، لأننا لم نكن قبل اليوم، ولن نكون بعده. فالحرية تكمن في معرفة أن التخلي عن السابق ضرورة، وأن لم نخترها نحن سيختارها جسدنا رغمًا عنّا ولو كان التخلي مكسبًا فالرهان حول من كنا سيحقق الربح لا محال..”
بهذه الكلمات من اليوميات، وبالأفكار المسترسلة، المتدافعة، المؤنسة وحدته في الطريق، توصل إلى إدراك معنى الحرية في كنف التخلي، وأن التخلي لازم بقدر ما يبدو اختيارًا، كما قال جاك كورنفيلد: «التخلي ليس التخلص من شيء، بل ترك الأمور على حالها. عندما نترك الأمور على حالها برحمة، فإنها تأتي وتذهب من تلقاء نفسها.»وحقيقة أن المرء يُجبر على التخلي كشرط من شروط الزمن. وحقيقة أنه لم يعد هو ذاته، أمر أرقه طوال عمر طويل، ولكن الآن قد فهم. فهم بعد خمس سنوات أن الأوراق التي سقطت منه في الطريق كانت هوية تُبنى، صياغة تُحاك، قدر يتجلى. فلا الصداقات ولا الحب كان كافيًا له، ولطالما كانت نظرته لقيم الإنسانية عالية لا تتطابق مع ما يوفره الإنسان العادي، ولم تملأ عيناه سوى صورته التي لطالما آمن بها. لذا نعم، هو كشهر أبريل: مستقل عن الأشهر، كاذب في عين السطح، مزيف في صميمه، خائن للطقوس، لا يحمل صفات واضحة ولا معالم يهتدي بها المرتحلون فيه. هكذا كان طوال سنوات، خوفه الوحيد من الانكشاف دفعه للارتحال، وهكذا أصبح اليوم، صبيحة أبريل، معلنًا لأول مرة أن ذاته التي لطالما نظر إليها خلف الحدود قد قدمت، حلت، بلغت بابه. وهذا الاعتراف لا يعتري الإنسان الطبيعي، فلطالما آمن الإنسان العادي أنه ذات واحدة تتقدم للأمام أو للخلف ثنائية البعد والمنظور إلا أنه هو كان يرى ذواتًا أخرى تحيط بعالمه، بإمكانه تقمص ما يريد، بلا منظور يقيده. فما عليه سوى أن ينظر إلى انعكاسه ويردد الكلمات: «أنت كذا، ولطالما كنت كذا، وهذا أنت اليوم، وغدًا وبعده». كلمات تعلمها من حكيم في قرن مضى، ورددها على لسانه حتى أمسى ما يكون... وهذا ما مكنه من الاستمرار، من البقاء والمغادرة، لأنه أيقن من عمر صغير أن لعمره مغزى لا يُعرف بل يشهده كيانه بالإيمان. وبهذا تجاوز محاولات التبرير، بل لم يعد يؤمن بتداخل الحياة الفردية بالجماعية قصد التشارك. ملحد بفكرة الثنائية والمشاركة التي لم تعنه يومًا، فلا بد للإنسان أن يبقي حياة سرية تخصه لنفسه، يؤمن فيها بما لا يؤمن به غيره، ويلحد فيها بما يختاره الغالبية. ذلك لأن الحياة الحقيقية لا تحدث في السطح مع الجميع، وأن الثورات التي حركت العالم كانت وليدة أفكار في رحم الإنسان ذاته. فالعظيم يبقي ملكوته مغلقًا، والعادي يجعل لسانه عدوًا لدودًا لكشف ستره.
لربما لهذا وجد عزاءه في الأدب، لكونه صرحًا مقدسًا لملكوت الآخرين لا يحتفي به الأكثرية، وسرًا من أسراره. (أن فكرة الأدب والثقافة الرائجة باستخدام الفرد لمصطلحات كبيرة هي تمام الزيف وإظهار لضياع الإنسان، فكلما زادت حجم الكلمة زاد صغر المتحدث، وكان مقياسه أن الصامت، قليل الكلام، الذي تخونه الكلمات، هو تام الثقافة، إلا أنه لا يعرف، يجهل نفسه بتركيزه على إشارات العالم). وهذا هو شكله: يبقي حديثه داخليًا، يفضي به للآلات التي تعبر عن فشل البشرية في التعبير عن نفسها، خوفها من الكلام المباشر وجها لوجه، واكتفاؤها بمحاولات كتابية خلف اسم مستعار، قبيل أن يأتي صغار العقول للتحليل والتمعن قضاة الحقيقة، شرطة الأخلاق، نائبو الإله في الأرض، الراكضون الغاضبون من ذواتهم، عاكسون مكنوناتهم ونقائصهم على الكتّاب والمتحدثين بما يخافونه او ما يعتقدونه تابوهات ذلك لأن الكاتب يشبه شهر أبريل بحق: يلقي بالإنسان بعيدًا في المجهول ليجد شمعة من الشموع التي سقطت منه في ماضيه ريثما لم ينطفئ لهيبها، وهذا ما يهابه العاديون، أن يأتي أحدهم ليكشف مستورهم. وأن الكتابة بالنسبة إليه فعل مقدس، يجب أن يفعله على طهارة، جاهزية للتعري، لإداء الطقس وتمامه. فأن يجد أحدهم احتواءً في تعريه هو أشبه بالنوع الإيروتيكي، ولا يختلف عن فن التجسيم أو الرسم، في إظهار الضعف البشري، خاليًا ومجردًا مما يعتقد أنه هو، رجوعًا إلى طبيعته، قربًا لا يفصله عن الحيوان. وهذا ما رآه من الفلسفة هربرت سبنسر، فرويد والفنون: أنها مجرد دعوة للنظر إلى الإنسان العظيم على أنه هش، تخونه حاجته الحتمية. وأن الحاجة اليوم للكتابة والقراءة لإيجاد ذكرى الأصل هي تلقين مشابه لعمل الفلاسفة، من التذكير بطبيعة الإنسان وما يصبو إليه، وما سيكون عليه.يكمل حديثه الداخلي، وصولًا إلى مقهى وسط المدينة، حيث من المفترض أن حبيبته تنتظره في تمام الساعة السادسة، وهو هنا في تمام الوقت. ألم يخبرنا في البداية أنه أشبه بشهر أبريل؟ كاذب، متقلب، لا يعرف وجهة وها هو ذا بعدما الحد بالحب وجده. ولعل هذا ما كان يقصده منذ البداية؟ أن في التخلي تمام التجلي!



