مقتطف من اليوميات:
“….خرجتُ اليوم كغير عادتي من المعهد في وقتٍ متأخرٍ من المساء، متوجهاً إلى البيت، لا يفصل بيني وبين البيت إلا عددٌ من الشوارع المكتظّة، ثم يأتي زقاق البناية التي أقطنها، شقة والديّ، ميراثي الوحيد في هذا العالم الضخم والضيق للغاية، أمشي مصاحباً أفكاري هذه الليلة، مستعيداً ما قالته لي قارئة الفنجان في الأسبوع الماضي (زيارة غير مرغوبة)، لم أعرف ما عنته، أيّ زيارة؟ وممّن؟ وهل سأقوم أنا بتلك الزيارة لشخصٍ ما؟ جاء بين عينيّ طيف ألفريدو، هززت رأسي بسخريةٍ باهتة، هذا ما تبقّى لي، أن يزورني آخر شخصٍ أرغب في رؤيته، أكملت المسير، يتردّد في رأسي ألف خاطرٍ وخاطر، تلك السيدة قارئة الفنجان التي جذبتني من معصمي وسط السوق، لا أعرفها ولا تعرفني، تدّعي معرفة كونية، علماً إلهياً ما، وكأنني لم أسمع بمثل هذه الأمور، إلا أنني أحمل نصفاً يعرف جذور هذه الترهات،
أمسكت بيدي بقوة وأنا أحاول الإفلات منها بلطف، وأردد (ليس لديّ المال لأقدّمه لك) لكنها أصرت، وبعد أن لمحت خطوط يدي واقتربت من عينيّ قالت جملتها التي بقيت تتردّد في رأسي (زيارة غير مرغوبة)، أعتقد الآن أنها إساءةٌ لي، هل قصدت أن رحلتي في الحياة هي زيارة غير مرغوبة؟ لا، لا، أستدعي جملةً أخرى (أنت تأخذ كل شيء بجديةٍ بالغة، تعلّم أن تستريح وتدع الأمور خارجك) مون، السيد مون وأحكامه العجيبة،
وأخيراً وصلت إلى الزقاق، على ما يبدو أن مطعم لورينزوا مغلق، لا يزال في عطلته السنوية في سويسرا، والزقاق مظلم إلا من أنوار مصابيح خافتة، ولا ضجيج يُذكر ولا موسيقى، أمشي وأمشي متأملاً خطاي، إذ بي ألمح سيدةً تأتي من ناحيتي، تبدوا متألقة، شعرها الاشقر منسدل ويتلاعب به نسيم الهواء الخفيف، حذائها يصدر صوتاً مميزاً، في يدها سجارة ولا يبدوا انها مشتعلة منشغلة هي باعادة ترتيب حقيبة يدها، لباسها فستان ذو قصة غريبة، وتضع وشاحاً في هذا الوقت من السنة، في مايو ! الناس غريبة ولكن رأيت الأغرب…، تبعدني بالقليل، لا ألمح وجهها، وليس من عادتي أن أتأمّل وجوه الغرباء عني أو أحدّق فيهم، عكس عادات سكان المنطقة، يحدّقون وينظرون ويتابعون مسيرك من الشبابيك والأبواب والمحلات،
أطأطئ رأسي وأمرّ بجانبها، تسد انفاسي رائحة عطرها، حلو، حامض، ذاك النوع الذي أمقته، إذ بخطواتٍ قليلة تتوقف السيدة، وأحسّ بنظراتٍ ما تراقبني، وأسمع صوت المرأة ينادي اسماً، لربما شخصاً لمحته، ولكن الصوت موجّهٌ لناحيتي، أو بالأحرى موجّهٌ لي، استدرت نصف وجه، لمحت السيدة واقفةً وسط الطريق، والضوء خافت لدرجة لم أتمكن من تبيّن ملامحها، وأجبتها بلكنةٍ فرنسية (آسف، الشخص الخطأ) وأكملت المسير، بخفةٍ أكثر، محاولاً ألا أركض، محاولاً ألا أتحوّل إلى ارتجافٍ عابر، محاولاتٌ عديدة أن أبقى أمشي وأمشي وأمشي للأبد، لست معتاداً على هذا النوع من الحياة، لست معتاداً على الحديث مع الغرباء وسط الليالي، ولو كان والدي حيّاً لوبّخني، فلا يحق أن أحدّث غرباء البلد، فكم من حادثةٍ وُلدت من سؤال !!
وقفت عند مدخل البناية متأملاً قبل دخولي آخر الزقاق، لا ملمح للسيدة ولا لشخصٍ آخر عداي، النور خافت وينتهي آخر الزقاق حتى يصعب القول، محاولاً تهدئة نفسي، دخلت البناية، دخلت الشقة، وما زال كياني واقفاً عند الباب، يراقب إن كان أحدٌ قد تبعني إلى هنا، أُقفل الباب من خلفي بثنائي الأقفال، وأجلس أرضاً بجانب الباب، أنظر إلى الأرض بلا حركة، وقلبي ينبض، بقوة، كأنه يوشك أن يخلعني، أكاد أفوّت نبضةً وراء نبضة، (زيارة غير مرغوبة)، نعم،
أتوجّه إلى النافذة المطلة على الحي، وقبلها أطفئ كافة الأنوار الداخلية، أفتح الزجاج وأراقب الحي مرةً أخرى، كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ ولماذا الآن تحديداً؟ بعد سنواتٍ طوال؟ لم ينادني أحدٌ بذلك الاسم، ذاك الاسم الذي لا يلبث أن يجرّ خلفه المصائب، ذاك الاسم الذي تخلّيت عنه بصعوبة، الماضي لا يعرف الجمود، وأنا لا يمكنني البقاء هنا، خاصة بعدما وجدتني، وجهها تغيّر، أصبحت أكبر سناً، أصبحت سيدة، وكيف لذاك الصوت لم يتغيّر أبداً، حاداً، جافاً، صلباً، يدعو لهلاكٍ ناعم،
أبقى أراقب الحي، إذ يتراءى لي ظلّ بجانب محل البقالة بجانب المطعم، ضوء هاتف، انعكاسه يفضح لون الوشاح الأحمر، فاقعاً، بارزاً، مطرّزاً بالجحيم، إنها هي، ما زالت هنا، ولا شكّ أنها قد عرفتني…!
(يتبع)
في نظرك من هي السيدة؟
اريد ان اعرف توقعاتك..،
اضافة:
اقتباس اليوم لمس قلبي؛







يشق الاختيار، فهناك العديد.