عندما أمسى العالم بأسره أطفالاً !
عن المشاعر المكبوتة، عن الهوية، والازمات الوجودية
الزمن لا يطال الشعور،
أعلم، أعلم...، المقدمة قد تمثل حقيقة بديهية يصعب قبولها !
بداية، دعني اخبرك يا عزيزي المطالع بقصة قصيرة اوصلتني لمشاركتك هذا التأمل، استيقظتُ اليوم كعادتي، لكن شيئًا ما كان مختلفًا. كان الوعي حادًا، والإدراك تامًا: هذا اليوم لن يكون كسابقيه، اليوم سأختبر شعورًا لم أذقه من قبل، حالة غريبة على البشرية جمعاء !
وقد حدث ! ذات النهار، نظرتُ إلى العالم فرأيتُ طفولة تختبئ في كل شيء. في عيون الناس، في حركات السياح، في الوجوه التي تمرّ أمامي…، كلُّهم أطفالٌ! أطفالٌ يرتدون وظائف، أطفالٌ تخلّوا عن أحلامهم، أو حققوها، أو ما زالوا يمدّدونها ويبدّلونها…، العالم بأسره امسى مجرد أطفالٍ تسيّد عليهم شبحُ الزمن؛ ساعةٌ دفعت بهم إلى الأمام، ووضعتهم وجهًا لوجه أمام مخاوفهم وصدماتهم وعقباتهم. بعضهم يضع العقبات لبعضٍ، قصداً أو عن غير قصد.
لم أستطع ذلك اليوم أن أمضي في عملي كالمعتاد، لم أكن في الوضع الآلي الاتوماتيكي، كنتُ واعيًا تمامًا بوجودي في هذا الزمكان بل توقفتُ عن التمدّد خارج جسدي، وعن الطفو بعيدًا كالمعتاد ! عشتُ لحظةً عميقةً أدركتُ فيها معنى الحياة، بعيدًا عن الرغبة الجسدية، وخارج صوت العقل، متخليًا عن أحكامي المسبقة. رأيتُ الشيوخ أطفالًا يضحكون، ورأيتُ الأطفال طيورًا صغيرة تحطّ وتطير هنا وهناك. كنتُ أعيش حالة وجودية أخرى، لربما امتداد لازماتي الوجودية، حالة خارج العقل، في طبقة أخرى من الإحساس لم أجربها قط، شعور فضفاض، شعور اشبه باشعة الشمس والبحر والنسيم البارد معاً، تختلط في صدري، تمنع عقلي من الحديث والتدخل فيما يجري ! والمعنى من كل ذلك؟ أن أعيش هذه اللحظة؟ لعلها لن تتكرر ! داهمتني حقيقة ثانية مفادها ان الحياة تحدث لي وأحدث لها، ولا او لن نلتقي مرتين في هذا التلاقي الجميل المدهش، من صحوة الشعور ويقظة الوعي…،
هذه الحادثة الوجودية مكنتني من فرز حقائبي الشعورية، مكنتني من النظر لخلفي أخيراً، لأدرك أن حقيبة كانت ومازلت متشبثة برجلي، تتشقلب هنا وهناك معي، توقفت قليلا، أخرجتُ أحمالاً نسيتُ أنني أجرها خلفي منذ زمن. نظرتُ إلى نفسي بعد وقت طويل، متخليًا عن أصداء الأشباح من حولي، فاكتشفتُ أن المشاعر التي ظننتُ أنني تجاوزتها لم تغادر أبدًا، انما كانت متخفية، مُغلَّفة بعناية، مخبأة في قعر الحقيبة، تتقلب معي كلما ارتحلت. لهذا كانت المدن تتشابه في عيني، والوجوه تتكرر بين واقعي وذاكرتي ! نفس الأشخاص، ذات العلاقات، بوجوه أخرى وأماكن جديدة. مهما غادرتُ، كان الواقع يطاردني ويكرر نفسه، عقد لا ينتهي، تحكمه مشاعر ضغينة غامضة لم اتمكن يوما من تحديدها، نعم، تغيرتُ جسديًا وعمريًا، لكن نفسيًا؟ شعوريًا؟ كنتُ ما زلتُ «أنا» ذاتها، الشخص الذي كنتُه قبل سنوات، قبل أن تبدأ سلسلة الأحداث التي غيرت حياتي طوال عشر سنوات، كحلقات الدومينو، تتساقط واحدة تلو الأخرى في تتابع حتى الآن!
ومما لا شك فيه، حقيقة ثالثة اصابتني، اني كنتُ أجيد فن التظليل…! محاولات لأخفي صوت ذاتي الذي كان يهمس لي: «الوضع لم يتغير كثيرًا، وهذا الهدوء ليس حقيقيًا كما تتمنى» لأكتشف أن الشعور والنفس والكينونة لا تخضع لقانون الزمن كما يخضع له الجسد..، كأنها حكمة إلهية زرعت فينا: أن نرى اختلاف الزمن داخلنا، ريثما الزمن يمضي بثبات في معالم وجوهنا ! نمضي سنوات طويلة مرتحلين، فرحين بأعمارنا، حتى نكتشف أن شعورًا واحدًا ظلَّ مغامرًا في أعماقنا، يلتصق بنا ويتشبث، لا يكبر ولا يصغر، لا يتبدد ولا يتغير، مهما تقدمت بنا السنين..، متقنين التجاهل فنظن أننا مضينا، بينما نفسيًا ما زلنا في المكان ذاته، مهما تبدلت مواقعنا الجغرافية وتغيرت أحداثنا.
الشعور خالد…،
وهذا لا شك فيه حقيقة رابعة، وهذا ما أمسيتُ مؤمنًا به في ذلك اليوم ! ففي نهايته حملتُ يديّ ودعوتُ أن أسامح، لأنني أريد التسامح، ولا أريد أن يبقى في قلبي ظلام يطاردني، حتى لو كنتُ مظلومًا. أريد الخير لمن مرّوا في حياتي، وأن تفتح لهم الفتوحات، لا أرغب في عودتهم، لأنني لستُ ذات الشخص، ولست ممن يقبل بتكرار الماضي واعادته، لكنني بالتأكيد لن أقبل أن تسكنني كراهية تتغذى مني، وترتحل معي، وتحول بيني وبين قلوب الأحبة الجدد، كشبح لا يرقد في سلام. ونعم، أصعب شيء في الحياة هو الشعور ! ولعل هذا هو ما يجعله المحطة الأخيرة في رحلة الحياة، فالشعور يتطلب قوة، جاهزية الانسان ليتكشف من ذاته وعقله، أن يفتح قلبه، أن يجرب إطلاق مشاعره الأخيرة، أن يقول «سامحت» أو يعترف بأنه لم يسامح بعد، أن يكون جاهزًا ليعترف بعدم جاهزيته.
فالأصل في قصص الشعور أن البشر أطفال فيها…،
لا يعرفون كيف يفرزون حقائبهم الشعورية. لا يدركون أن العمر رقم لا يدل على النضج العاطفي، ولا يعدك بمستقبل يحمل التقبل والاحتواء النفسي السليم ولعل لهذا يعلق الناس في التعلق إما تجنبًا خوفًا، أو تعلقًا مرضيًا هوسيًا نابع من رغبة في تعويض والتهام مشاعر الآخر قصد امتلاء لن يكون! الأمر مخيف وغريب، لكنني رأيته في نفسي ولعل الله هيأ لي هذا الطريق حتى ألتقي بك، أيها القارئ العزيز في هذا النص، لأقول لك:
الزمن لا يعدك بشيء، نعم، يمنحك النسيان...،لكنه حل مؤقت، حتى تستجمع وتعود لتتدارك نفسك، وتستعد لفتح الحقائب التي تجرها خلفك..، فأحلامك مرتبطة بهذه الحقائب، وصوتك الداخلي الذي يرى كينونتك كيف تصنفه؟ جلادًا أم رحيمًا؟ فمن اسرار الكينونة انها ذكية بطبيعتها، ترى وعيك ولاوعيك، شعورك ولاشعورك، هي التي تعيد تصميم واقعك، وتدفعك لاستكمال قدرك، وترتقي بك أو تعلقك.
وإذا جئنا إلى التسامح...، أريد أن أربطه بتلك الرؤية الأولى: عندما رأيتُ الناس أطفالاً، كلهم يجربون الحياة للمرة الأولى، البعض يجيد ما يجيده، لكنه لم يحترف الحياة ليمضي بلا اخطاء، والبعض يعتزل قبل أن يبدأ حتى ! والبعض يقف في وسط الحشود يجرب من هذا وذاك…، فكلنا نجرب الحياة لأول مرة ولآخر مرة في الدقيقة نفسها ! ومهما تكاثرت كتب علم النفس والروايات والأفلام والموسيقى…، في محاولات اختصار لنا ماهية الحياة وكيف يجدر بنا استغلال وقتنا بشكل صحيح، بعدد اقل من الاخطاء والندم، الا انه في النهاية ينتهي الأمر إلينا، وحدنا، فكل واحد يجر ما يجر خلفه، ويشق طريقه في بحر بلا إشارات ولا بوصلة… !
لهذا رأيتُ الكبار أطفالاً، أطفالاً لديهم وظائف وسيارات وبيوت…، يلعبون لعبة مونوبولي ضخمة، يحملون قوائم وقسائم تخفيضات على احلام مجربة ومضمونة، لطالما رأيت ان الجميع يرى الحياة قائمةً يجب إنجازها: بيت، سيارة، ترقية، أولاد...، قائمة تُهدر فيها الأيام حتى نغادر، محاولة لتفادي المعضلات الوجودية، ولكن هذا النظام ميراث سلوكي، برمجة اجتماعية فرضها الواحد على الآخر فقط ! والشجاع هو من اختار أن يعيش بطبعه الخاص، فبعضهم وهب حياته للمغامرة، لا وظيفة تأسره، ولا ثقافة تحده، ينتقل من بلد إلى آخر، يكتشف العالم بأسلوبه الخاص (ولا عيب في اختيار الحياة المستقرة إذا كان اختيارًا واعيًا، لا إكراهًا)
وما يجدر بي تذكيرك به، هو ان كل ذلك يدخل في قصص الشعور..، نعمل لنشعر، نتزوج وننجب لنشعر، ننفق ونسافر ونغامر لنغني تجربتنا الشعورية، فتخيل أن تمضي وأنت تجهل ما يريده شعورك؟ تذهب في سفر وقلبك يحمل قنوطًا أو خنقة لا تعرف مصدرها، ولا تريد فحصها ! ولعلنا لهذا نختار الكبت، نلقي كل شيء في قاع الذات، ثم نبتسم ونظن أن القمامة قد خرجت وغادرتنا لكن لا شيء يغادر هذا الكون المغلق ! فالطاقة تتحول وتعود والمشاعر خاصة تعاود الظهور، لتكون متجذرة، وقد تصبح مرساة، أسلوب حياة كاملاً، او هوية ذات مرتبطة بشعور واحد فيصبح الإنسان غضوبًا أو حزينًا لسنوات، وهو يصدق أن هذا هو كيانه وان هذه هي شخصيته وهويته !
لذا ختاماً اوجه لك القول،
سامح نفسك أولاً، فهذه مرتك الأولى في الحياة وسامح الآخرين، فهم يحاولون مثلك وسامح والديك، فقد قدما لك أفضل ما لديهما رغم حقائبهما الشعورية المثقلة واختر اليوم أن تنظر إلى العالم وكأنهم جميعًا أطفال، وصدّق ذلك، فستجد خلف كل سؤال وكل حركة طفلًا خالدًا لم يمسه الزمن، يحاول العقل حمايته فقط !
«الزمن لا يُقاس بالساعة، بل بالشعور »
- فيودور دوستويفسكي






مقالك لا يفسّر الشعور، بل يفضحه ، خصوصًا فكرة أن الزمن لا يغيّر ما بداخلنا، بل يتركه كما هو، يتكرر في أشكال مختلفة ، ورؤيتك للناس كأطفال لم تكن لطيفة فقط، بل كاشفة ومقلقة ، كأنها تجرّدنا من وهم النضج
مقال خفيف في قراءته، ثقيل في صداه