(مقتطف من يوميات الصيف الماضي)
منتصف شهر اغسطس،
افضل ان لا ادون الايام، لانها ليست حقيقية…،
أقف أمام شرفة البيت أرقب السماء، الإشارة واضحة عاصفة استوائية قادمة مرة أخرى، للأسبوع الثاني على التوالي، في الأسفل، السياح يندفعون نحو المطاعم والمقاهي، ومطعم ألونزو في ركن الشارع يعجّ بالضجيج كعادته، موسيقى إيطالية قديمة، بيانو أو ما يشبهه، وضحكات تعلو وتنخفض مراراً غير مدركين للزمن، لأن الزمن يتوقف حين نجد من نحب، ويركض مفلتاً منا حين نمضي وحدنا.
تندفع نحوي رياح باردة تحمل معها أثر الرمال من الشاطئ المقابل، يبعدني عنه عشر دقائق مشياً، وهو مكان لا أقصده منذ الطفولة لأني أعادي الصيف، ولا أحبذ الاختلاط بالسياح، فيشبّهونني بفلان وآخر، ويخطئون حين يظنون أني شخص عرفوه ذات يوم. لذا أحتمي هنا، في شقة ورثتها عن والديّ، حيث كل شيء عتيق يبقيني بعيداً عن الزمن، عن الوصول، عن التشبيهات…، البيت بقدر ما يبدو فرنسي الطابع إلا أنه يميل للإيطالي أكثر أبوابه خشبية تفوح منها رائحة المطر، السقف عالٍ نسبياً وتتدلى منه ثريات كانت في ماضيها حديثة العهد، وستائر عتيقة تعود للتسعينات، ومكتبة ضخمة تحتل الصالون بأكمله وكتب أخرى لم تجد مساحة لتجلس مع رفيقاتها، وغرف أُغلقت مع رحيل والديّ، لم تُفتح منذ أربع سنوات بالرغم من إصرار السيدة ديلفوي (الجارة العجوز التي تقطن وحدها بجانب شقتي)، والتي تقتحمها بلا دعوة لأنها تحتفظ بالمفتاح منذ أن أعطتها والدتي الراحلة نسخة منه احترازاً، حين كنا نخوض جولات في العطلات، ووالدي لم يعترض بالرغم من كرهه للتواصل البشري فيما يتجاوز العائلة. فبناءً على عقد خفي أبقيت في عهدتها المفتاح تقتحم عزلتي بضجيجها وصوتها ورائحتها التي تشبه المخبوزات وتحديداً خبز البرتقال بالقرفة، تأتي ومعها أحاديث الحي كاملة، تجلس في المكتبة وتتذمر من نظرها المتقاعس، وتتعجب من الكتب والغبار وتطالبني بتنظيفها، فأجيبها دائماً: يوماً ما. فتردّ:” ذاك اليوم الذي لن أكون فيه” تخترقني العبارة وتنتشلني من العمق. فبالرغم من حضوري الكامل مع الفقد إلا أني ما زلت أخشاه ولو كانت السيدة ديلفوي غريبة نسبياً إلا أنها باتت من العائلة تتذكرني منذ أن كان عمري سبع سنوات، وأنا أتذكرها طوال عمري، فلم أرَ أمي إلا رفقتها، في المحلات، في جلسات الشاي بعد الغروب، في كرنفالات الصيف، في كل مكان أتذكره وأعجز عن تذكره، ذاك لأن الذي تعرض للفقد تصيبه أمراض في الذاكرة فيمسي التذكر مستحيلاً مع الوقت مهما كان عمره شاباً ذاك لان الفقد شيخوخة تصيب المرئ، شيخوخة لا علاج لها،، لم أتذمر على كلامها، بقيت صامتاً اترقب يداها وقد طالهما الزمن، وهي تقف متابعة حديثها عن أطفالها بالرغم أنهم لم يعودوا أطفالاً، لأن أصغرهم أنجبت حديثاً! لكن في عين الأم الطفل يبقى طفلاً ولو مضت السنوات. وأنصتُّ، متعجباً وحامداً كيف للناس أن يرحلوا ويتركوا طباعهم في أرواح أخرى؟ السيدة ديلفوي أصبحت تشبه أمي مع الوقت، في تصرفاتها، في تعليقاتها. أأنا السبب؟ أم أن الأرواح لا تغادر بل تبقى تجول من حولنا، فتظهر في أشخاص يمدّوننا الودّ، في حب غريب، في شعور الحنين لشخص لا تربطك به صلة؟ وعلى سبيل والدي كان ليقول: الأرواح لا تغادر، نعم إنها مخفية ولكنها حتماً لا تغادر.
يعلو البرق، تظلم السماء دفعةً واحدة، تنسحب السيدة ديلفوي إلى مكان آخر في الشقة وأنا أقف محدقاً في الأفق رياح تمر من خلالي، عاصفة بي، أوراق تتطاير، والبيت يئنّ من كل اتجاه، الباب بخشبه القديم والأرضية من تحتي كأنهما يتذمران من شيء لا أراه، أشغّل الراديو وأطفئ الضوء مخافة أن يعصف البرق ويسرق النور، فتنطلق المذيعة بتحذير عاصفة قوية ستضرب الساحل الليلة وتستمر لأجل غير معلوم! إعلان بأن لا حياة في الخارج اليوم، إعلان بعطلة ممتدة من الزمن، بالبقاء في دفء الأحباب، قهوة أم شاي؟ مسلسلات على قنوات فضائية، لأن أياماً كهذه يجب الاحتفاء بها بطريقتها الخاصة لا إنترنت، لا صخب، فقط هدوء رفقة العاصفة…، تلتقط أنفاسي رائحة أعرفها مسبقاً، خبز البرتقال بالقرفة، جلبته السيدة ديلفوي. أندفع لأفتح الباب وأحمل عنها باقي الطعام لم تخيّبني يوماً في الطعام، وسلامتها طعامها أشهى من طعامي حتى وبينما أضع الباقي على المكتب تذكّرني بموعدنا الليلة، كما جرت العادة هي وسيدتان من الطابق السفلي عند شقتها، فأقدّم لهن دروساً مجانية حول الأدب والفلسفة، بالرغم من أنها تنتهي دائماً في مسارين: إما نميمة عن الحي، أو مدى رغبتهن في تزويجي، خاصة بعدما لمحتني إحداهن أحادث بائعة الفاكهة قبل أيام فأصبح الزواج حديثاً يلزم طرحه دائماً. ورابع الحاضرين هو الشاي ومختلف الحلوى التي تُعدّها السيدات في البيت. الأمر جميل، حميمي، يذكرني بجلسات كان فيها والدي يفتح الحديث عن الغرائب، فتمضي امي معارضة على كل فكرة، وتغمز لي قصد إثارة استيائه ولكنه يعي اللعبة ويستمر في الحديث اكثر، وعند مشاركة النسوة العجائز الجلسات أرى العالم من عيونهن، وأعلم يقيناً أن الخير موجود وكذلك الحب، وأني سأدركه حتماً، واحتمالية ان أشيخ يوماً رفقة عائلتي الخاصة في هدوء وسلام واردة لا محالة ! أغلق باب الشقة بعدما تغادر السيدة ديلفوي، وأطفئ كافة الأنوار إلا مصباح القراءة مصباح أبي.…، بل كل شيء في هذه المساحة يعود له، المكتبة، الكتب، المكتب، الأريكة، السجاد، كله أنفاسه مطبوعة فيه. وأوراق تحمل خطوطه ما زالت موجودة أتفحصها أياماً وأطالع مذكرات مبعثرة هنا وهناك فقد كتب في صحف عديدة أعمدة مستقلة عن الحياة والوجود، وطالع كتباً لا تُعدّ ليتفهم الحياة والوجود. وكما قال يوماً: نحيا ونحن لا ندرك الحياة، إلا حين نموت ندركها وحينها سيكون الوضع في زمن كان لأننا لا نعلم أننا هنا إلا حين نغادر، ولأننا لا ندرك ما نملكه إلا حين نفقده. وأن من الفن هو مخاطبة الماضي لا الحاضر، بل حتى الفنان يُذيع صوته حين يغادر الحياة وتزداد قيمة أعماله لأنه أصبح في خبر كان كأننا نميل للثبات، لأن الحي يتغير فلا قيمة لشكله، والميت ثابت يعدنا بعدم التغير وهنا يمكن حدّه واكتشافه وفهمه.
أجلب الكتب من الرف وأتصفحها لا أدري أيها سيكون رفيق الليلة. بدأ المطر، حلّ البرد، والصمت يتمدد ومعه أصوات أخرى أصوات تعلو وقع خشب الأرضية، كأن البيت متلهف لخطوات لم تعد موجودة ولكنه يُعدّ نفسه أنها ما زالت هنا. أسمع الأصوات تقترب، صرير الباب، الثريا تهتز، وموسيقى تنطلق من الأعلى خافتة سريالية وكنت لأقول إن مصدرها الجيران لو لم أكن أقطن في الشقة العليا بالمبنى.
أتكوّر على الأريكة، ضوء السماء لم يعد متاحاً اليوم، فقط أمسية يتداخل فيها الرطب والبارد، وموسيقى تتبدد ذهاباً وإياباً، وأصوات وقع الأقدام في الغرف المجاورة تلعب وتركض مخلّفةً وراءها سبيلاً من الذكريات. أشغّل التلفاز راشيل من مسلسل فريندز، من ضمن البرامج التي تبثها القنوات الإيطالية في أمسيات كهذه دعماً للشباب المعزولين وغير المحبّين للاختلاط. يغشاني النعاس، لا صوت ضحكات الأصدقاء في التلفاز يبقيني، فأستسلم للنوم. ويتبدد من حولي كل شيء…، وجه السيدة ديلفوي، الكتب، الأصوات التي باتت الآن حولي، موسيقى تحملني لمكان آخر، بعيداً، بعيداً للغاية.




